الثلاثاء، 5 يوليو 2022

السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين

 السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين

فاتح الهند ومحطم الأصنام

 


لقد ظلت شخصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مضربًا للأمثال في كل باب، في العدل والحق والقوة والورع والجهاد والزهد والخوف واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان له من المواقف المشهورة والآثار المحمودة ما جعلت العالم بأسره يعترف بفضله وأثره في البشرية وقتها، حتى إن "مايكل هارت" صاحب كتاب "العظماء مائة" قد وضعه ضمن هؤلاء العظماء.


 


وظن المسلمون أن هذه الشخصية لن تتكرر مرة أخرى عبر التاريخ، والحق أننا لن نجد في التاريخ شخصية تتطابق مع الفاروق عمر رضي الله عنه، ولكننا سوف نجد في أحداث التاريخ بعض أبطال المسلمين الذين تشبهوا بالفاروق عمر في كثير من مواقفه، وبطلنا هنا هو أكثر القادة المسلمين على مر العصور تشبهًا واقتداء بالفاروق عمر حتى كأنه هو، ومع الأسف لا يعرفه معظم المسلمين رغم أنه قد أضاف لبلاد المسلمين واحدة من أغلى بلادهم وهي "أفغانستان"، وقهر أعدى أعداء المسلمين وهم الهندوس.


 


الدولة السبكتكينية والخلافة العباسية:


مرت الخلافة العباسية بعدة أطوار، فبدأت قوية ثم ازدادت قوة واتساعًا، ثم بدأ الضعف يدب في أوصالها عندما اقتتل الأخوان "المأمون" و"الأمين" على الخلافة، ثم دخلت مرحلة الضعف وتحكم الغير فيها، وفي هذه المرحلة بدأ ولاة الأقاليم البعيدة يستقلون بحكم تلك الأقاليم وينشئون ممالك مستقلة تأخذ شكل الحكم الذاتي حيث تكون مستقلة في كل شيء، ولكن ولاءها المعنوي والروحي للخلافة العباسية، وقامت العديد من الدول في الشرق والغرب تحت هذا الإطار.


ففي الشرق مثلًا ظهرت الدولة الطاهرية والدولة السامانية والدولة البويهية، وفي الغرب ظهرت الدولة الطولونية والإخشيدية ودولة الأغالبة وهكذا.


 


بعض هذه الدول كان له أثر حسن في خدمة الإسلام ونشر الدين مثل: الدولة الطولونية والأغالبة، وبعضها كان له أسوأ الأثر على الإسلام والمسلمين مثل: الدولة البويهية الشيعية.


من هذه الدول التي استقلت ذاتيًا عن حكم العباسيين مع الولاء لخليفتهم الدولة السبكتكينية ومؤسسها هو "سبكتكين" وهو أمير تركي كان يعمل في خدمة والي مدينة "هراة" وكانت هذه المدينة تتبع حكم "الدولة السامانية" فلما توفي هذا الوالي لم يجدوا بعد تعيين عدة ولاة أكفأ من الأمير "سبكتكين" هذا فأصبح واليًا عليها وأخذ في توسيع دائرة نفوذه حتى صار واليًا على "إقليم خراسان" كله سنة 366 هجرية وقام "سبكتكين" بمحاربة الخارجين على الدولة السامانية وتصدى عدة مرات لمحاولات الدولة البويهية القضاء على السامانيين، وظل سبكتكين طوال حياته في جهاد مستمر ضد الخارجين وكفار الهند الذين شعروا بخطورة مثل هذا الرجل على نفوذهم بأفغانستان وشمال الهند، وفي هذا الجو الجهادي ولد بطلنا محمود بن سبكتكين.


 


من هو محمود بن سبكتكين؟


هو الملك الكبير والمجاهد المغازي والثاغر المرابط وأول من تلقب بالسلطان أبو القاسم محمود بن سبكتكين المكنى بيمين الدولة، ولد في المحرم سنة 360 هجرية في مدينة "غزنة" وتقع الآن في أفغانستان، وكان أكبر أبناء أبيه "سبكتكين" فنشأ وتربى تربية القادة الأبطال واشترك منذ حداثته في محاربة أعداء الإسلام من الهنود والبويهيين، وكان له أكثر كبير في معركة "نيسابور" التي انتصر فيها سبكتكين وولده محمود على البويهيين، فكافأه "نوح بن منصور الساماني" بأن جعله واليًا على "نيسابور" وذلك كله وهو في مقتبل الشباب.


توفى الأمير "سبكتكين" سنة 388 هجرية بعدما أنشأ دولة كبيرة وقوية وراسخة تشمل إقليم خراسان كله وإقليم سجستان حتى كابل، وتولى الأمر من بعده البطل المجاهد "محمود" بعد منازعة قصيرة مع أخيه "محمد" الذي كان لا يصلح للرياسة ولا للمهام الجسيمة التي وكلت لبطلنا "محمود".


 


أوضاع العالم الإسلامي:


لم يكد الأمر يستقر لمحمود بن سبكتكين في حكم الدولة السبكتكينية حتى رأى أن أوضاع العالم الإسلامي شديدة الاضطراب:


فعلى المستوى الداخلي: تفرقت دولة الخلافة وتمزقت أوصالها لأشلاء مبعثرة في شكل دولة هنا ودولة هناك، ومعظم هذه الدول قد أصبح نكبة ووبالًا على الإسلام وتقاتلوا فيما بينهم على الملك والأرض والدنيا الفانية، وأصبح الخليفة لا حول له ولا قوة ألعوبة في يد قادة الجيش والمتغلبين من ولاة الأقاليم، وانفصل الجزء الشرقي بأكمله "مصر والمغرب العربي" إضافة للشام والحجاز واليمن وأصبح تابعًا للدولة السرطانية الرافضية الملقبة زورًا بالفاطمية، وأصبحت عقيدة الرفض هي الغالبة على المستوى الرسمي لكثير من ولاة الأقاليم وانتشر التشيع بسبب "البويهيين" الشيعة المتحكمين في الخلافة العباسية، وواكب ذلك ضعف الدولة السامانية وانتشار الفساد فيها ولم تصبح قادرة على القيام بدورها المنوط بها.


أما على المستوى الخارجي: فلقد كان أمراء الهند خاصة شمالها يتربصون بالمسلمين الدوائر خاصة بعد أن حقق المسلمون عدة انتصارات باهرة عليهم واستولوا على بلاد الأفغان والخلج منهم، وبدأ أمراء الشمال في التجمع مرة أخرى لمنع تقدم المسلمين نحو كشمير، وكان هناك خطر من نوع آخر وهم كفار الترك أو الأتراك الغزية الذين كانوا يعيثون في الأرض فسادًا ويعتمدون على السلب والنهب لخيرات المسلمين.


لذلك كان على محمود التحرك على الصعيدين الداخلي والخارجي في سبيله لخدمة الإسلام ونصرة الدين في هذه الفترة العصيبة من حياة الأمة، وبالفعل أثبت محمود أنه رجل الساعة.


 


أعمال محمود على المستوى الداخلي:


أولًا: القضاء على الدولة البويهية:


كانت الدولة البويهية ذات هوى وميول رافضية، كما أنها كانت دولة ذات جذور فارسية ظهرت في أوائل القرن الرابع الهجري في شرق الهضبة الإيرانية التي كانت تعد المرتع الخصب للعقائد الضالة والأفكار الفاسدة، وتطورت هذه الدولة مستغلة ضعف الخلافة العباسية وتحكم القادة الأتراك فيها حتى قويت شوكتها وصارت القوة المتحكمة في أمور الخلافة ببغداد.


وكانت هذه الدولة من عوامل التفرق والخذلان في الكيان الإسلامي كله، وزاد خطرها بشدة بعدما قامت الدولة العبيدية الرافضية باحتلال مصر وإنشاء الخلافة الفاطمية فيها سنة 262 هجرية، وأصبح الإسلام والخلافة بين فكي الأفعى الشيعية في الشرق والغرب.


 


بل عزم كبيرهم وهو "أحمد بن بويه" الملقب بمعز الدولة على إزالة اسم الخلافة من بني العباس ويوليها علويًا من الشيعة، لذلك أسرع "محمود بن سبكتكين" بالقضاء على هذه الدولة البويهية المنحرفة وكانت مدينة "أصفهان" عاصمتهم فقضى عليهم نهائيًا، ويكفي لبيان فسادهم أن السلطان محمود لما فتح بلادهم واسقط ملكهم واسمه "مجد الدولة" وجد في حوزته من الزوجات الحرائر ما يزيد عن خمسين امرأة ولدن له نيفًا وثلاثين ولدًا، ولما سأله عن ذلك، قال "مجد الدولة": هذه عادة سلفي ويقصد به "كسرى الفرس"، ذلك لأن البويهيين كانوا يخططون للارتداد للعصر الساساني مرة أخرى، فخدم "محمود بن سبكتكين" الإسلام بذلك خدمة جليلة.


 


ثانيًا: القضاء على الدولة السامانية:


هذه الدولة كانت فيما مضى دولة قوية سنية ظاهرة حفظت البوابة الشرقية للعالم الإسلامي لفترة طويلة ولكنها لم تقم بدور الدعوة ونشر الإسلام في امتداد الشرق الإسلامي، وكان عصرهم كله حروب وصراعات مع الجيران، ولم تكن لولاة هذه الدولة سياسة رشيدة ولا اتجاه واضح مما جعل المشاكل والمتاعب تأتي كثيرًا من جانبهم خاصة بعدما اقتتلوا فيما بينهم ودب الفساد والانحراف فيهم وأصبحوا عائقًا أمام حركة الفتوحات الإسلامية والتي كان ينوي "محمود" القيام بها، وبالفعل قضى "محمود بن سبكتكين" على الدولة السامانية بعدما انتصر على "عبد الملك بن نوح الساماني" عند مدينة "مرو" سنة 389 هجرية وأنهى الوجود الساماني بخراسان، ثم أنهاه بسجستان سنة 393 هجرية.


 


ثالثًا: تحالفه مع الخلافة العباسية ضد الدولة الفاطمية:


كانت معظم الدول التي ظهرت بأطراف الخلافة العباسية تتعامل مع الخلافة بصورة مهينة، فيزدرون الخليفة العباسي، ولا يحترمون هيبة الخلافة، بل امتدت أيديهم بسفك دماء بعض الخلفاء مثلما حدث مع "المعتز" و"المتوكل" و"المهتدي" العباسيين، فلما جاء السلطان "محمود بن سبكتكين" وقامت الدولة السبكتكينية أعلن "محمود" ولاءه الكامل وتبعيته التامة للخليفة العباسي وقتها "القادر بالله"، وامتثل لكل الأوامر التي كانت تأتيه من الخليفة القادر بالله، وأقام معه حلفًا قويًا أمام أطماع الدولة الخبيثة الرافضية بمصر ووقف سدًا منيعًا أمام محاولات الروافض الكثيرة لنشر الرفض ببلاد خراسان وما حولها مستغلين الأثر السيء الذي خلفه وجود الدولة البويهية الهالكة، وعندما حاول العبيديون في مصر إغراءه بالهدايا كي يقيم الدعاية لهم في بلاده أحرق كتبهم وهداياهم وقتل "التاهرتي" مندوبهم للدعوة وأهدى بغلته إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي وقال له: "كان يركبها رأس الملحدين فليركبها رأس الموحدين"، ولما سمع أن أحد أمرائه وقد أرسله أميرًا على قافلة الحجيج قد قبل هدايا من الفاطميين في موسم الحج أمره بالعودة بها مرة أخرى إلى بغداد عاصمة الخلافة وأن يحرقها بنفسه على باب قصر الخلافة أمام أعين الناس.


 


رابعًا: نشره للسنة ومحاربته للبدعة:


كان السلطان محمود بن سبكتكين على عقيدة السلف الصالح خاصة في باب الأسماء والصفات وله مناظرة شهيرة مع كبير الأشاعرة في وقته "ابن فورك" انتصر عليه فيها وطرده من بلده بعدها وكان محمود يكره البدعة وأهلها والفرق الضالة بأسرها، لذلك فلقد أزال من كل بلد فتحه كل الاعتقادات الباطلة والفرق الضالة وأزال من بلاده كل أثر للتشيع والجهمية والمعتزلة ومذاهب الرفض كلها من إسماعيلية وقرامطة وزيدية، وعمل على نشر الإسلام الصحيح في كل نواحي السند إلى حوض البنجاب، وانتصار "محمود" لعقيدة السلف الصالح جعلت كثيرًا من المؤرخين الأشاعرة وأصحاب الميول الشيعية ينتقصون من قدر "محمود" وينسبون إليه بعض الصفات الذميمة مثلما فعل ابن الأثير وكان متأثرًا بالتشيع عندما وصف السلطان "محمود بن سبكتكين" بالشره في جمع الأموال ولو من غير حقها، وهي دعوى باطلة تخالفها سيرة وحياة هذا البطل العظيم في كل موطن.


 


خامسًا: حراسته للدين وإقامته للعدل:


كان السلطان محمود بن سبكتكين مثالًا يحتذى به للحاكم المسلم الذي يعلم جيدًا مهام الحاكم والواجبات المنوطة به، لذلك فلقد جاءت حياته وفترة ملكه تصديقًا لهذه الواجبات والمهام الموكلة إليه، فلقد كان رغم ملكه الفسيح في غاية الديانة والصيانة وكراهية المعاصي وأهلها، لا يجرؤ أحد على إظهار معصية في بلاده، ولا خمرًا ولا شيئًا من الملاهي والمعازف، فلقد كانت حياته على الاستقامة والجدية، واقتدى به شعبه فصار لا يشغلهم سوى قضية الدين ونشره، والجهاد في سبيل الله، وكان "محمود" من أحرص الناس على نشر الإسلام في البلاد المفتوحة خاصة كشمير وبلاد الغور "في أفغانستان حاليًا" وكان كلما فتح بلدًا بعث فيه الدعاة والمعلمين لنشر الدين وتعليم الإسلام، وأزال كل الفرق الضالة والباطنية، حتى لا تفسد عقائد حديثي الإسلام في تلك البلاد.


 


وكان محمود محبًا للعلماء والفقهاء والمحدثين وأهل الخير والصالحين، وكان حنفيا ثم صار شافعيًا على يد الإمام "القفال الصغير"، وعمل طوال حياته على إقامة ناموس العدالة حتى على أقرب المقربين، فلقد اشتكى له بعض رعيته يومًا أن ابن أخته يعتدي على حرمة بيته وحرمة زوجته محتميًا بقرابته من السلطان، نذر محمود ألا يأكل ولا يشرب حتى يأخذ حق هذا الرجل الضعيف وظل صائمًا عدة أيام، حتى ضبط محمود ابن أخته وهو يزني بامرأة هذا الرجل قسرًا عنها فأخذه وقتله بيده حتى يرتدع كل من تسول له نفسه وقرابته من السلطان أن يخالف الشرع ويعتدي على الناس، وهكذا يكون الحاكم المسلم القدوة الذي فعاله تردع قبل نصاله.


 


أعمال محمود على المستوى الخارجي:


على الرغم من جلالة الأعمال التي قام بها السلطان محمود على المستوى الداخلي وأثرها القوي والبعيد على الشرق الإسلامي كله، إلا أن ما قام به محمود على المستوى الخارجي ونقصد بها تلك الحملات الجهادية العظيمة التي قام بها محمود لأكثر من ثلاثين سنة متصلة على بلاد الهند وما حولها، وهي التي رفعت ذكر هذا السلطان العظيم وأعلت شأنه وبيضت صفحته في التاريخ وبوأته مكانة لم يصل لها أحد بعده من الفتوحات والجهاد في سبيل الله، وهذه الأعمال جاءت كالآتي:


أولًا: القضاء على أكبر ملوك الهند "جيبال":


لم تكن شبة الجزيرة الهندية وحدة سياسية واحدة تحكمها إدارة وحاكم واحد، فلقد كانت مقسمة لعدة أجزاء وإمارات وأقاليم وذلك لضخامة مساحتها وكثرة الصحاري بها، وكل إقليم كان له ملك يحكمه، وكان أكبر هؤلاء الملوك سنًا وشأنًا وقوة وبأسًا هو الملك "جيبال" وكان في نفس الوقت أشدهم حقدًا وكرهًا للمسلمين عمومًا وآل سبكتكين خصوصًا، حيث إنه قد سبق وأن التقى في معركة كبيرة مع الأمير "سبكتكين" سنة 369 هجرية وهزمه "سبكتكين" هزيمة منكرة جعلت قلبه يحترق ويتلظى على المسلمين، فكما انتهى السلطان "محمود" من الأمور الداخلية جعل كل همه القضاء على "جيبال" هذا.


 


بالفعل قاد محمود حملة جهادية كبيرة على شمال الهند حيث معقل ملك "جيبال" وأحصن مدنه واصطدم معه في معركة "برشور" في المحرم سنة 392 هجرية، وصبر المسلمون على القتال رغم الفارق الهائل بين الجيشين، فلما انتصف النهار انهزم الهنود وقتل معظمهم، ووقع "جيبال" نفسه في الأسر، وكان في عنقه قلادة جواهر تقدر بمائتي ألف دينار وحدها، فصار هو وماله وعشيرته غنيمة للمسلمين، وكان محمود شديد الذكاء وعلى دراية تامة بنفسية كفار الهند، فبعدما أسر "جيبال" وألبسه شعار الذل، أطلق سراحه نظير دية ضخمة، وهو يعلم ما سيفعله به قومه، فإن من عادة الهنود أن من وقع في الأسر من ملوكهم لا تنعقد له رياسة عليهم أبدًا، فلما عاد "جيبال" إلى بلده ورأى حاله وما صار إليه من هزيمة وذل وعار وضياع ملك ومال، حلق رأسه، ثم ألقى نفسه في النار، فاحترق بنار الدنيا قبل نار الآخرة، وبذلك أزال محمود أكبر عقبة في طريقه لنشر الإسلام بالهند.


 


ثانيًا: فتح الشمال الهندي:


كل ما قام به السلطان المجاهد "محمود بن سبكتكين" على الصعيد الداخلي وإزالته للدولة البويهية والسامانية وكل الفرق الباطنية الضالة، كان من أجل الهدف الأسمى الذي نذر محمود حياته من أجله ألا وهو نشر دين الإسلام في بلاد الهند والجهاد في سبيل الله عز وجل، فلقد استمر محمود في سلسلة طويلة من الحملات الجهادية على شمال الهند ابتداءً من سنة 392 هجرية حتى سنة 418 هجرية.


بدأ محمود فتوحه في الهند من مركز قوة، فلقد كان يسيطر على إقليم "غزنة" وهو الإقليم الجبلي الذي يشرف على سهول البنجاب، فكانت مداخل الجبال وممر خيبر في يده، كذلك كان محمود قد مد سلطانه على كل بلاد إيران وما وراء النهر، فلم يعد هناك عدو يناوئه في شمال البلاد أو غربها، وبهذا تمكن من أن يوجه كل قواه نحو الشرق حيث الشمال الهندي.


بدأ محمود انتصاراته في الهند على أكبر ملوكهم "جيبال" سنة 392 هجرية، ثم انحدر على إقليم "الملتان" وكان فيه مركز الهندوكية في شمال الهند الغربي، ثم استولى على مدينة "بهاتندة" وكان بها الكثير من فرقة القرامطة الباطنيين وأميرهم يدعى "أبو الفتوح داود" وكان من أضر الخلق على المسلمين، فقضى محمود على هذه الفرقة الضالة، ثم حارب "أتاندابال بن جيبال" سنة 395 هجرية وهزمه وقضى على سلطانه، ثم حارب حفيد "جيبال" وكان قد ادعى الإسلام ليعرض عنه محمود ثم ارتد فقاتله محمود وأصبحت كل نواحي السند إلى حوض البنجاب بلادًا مسلمة.


 


انتهز أمراء الهند فرصة غياب "محمود بن سبكتكين" لتأديب الخارجين عليه في بلاد ما وراء النهر، وخلعوا طاعته وجمعوا قواتهم لقتاله وذلك سنة 398 هجرية، فعاد الأسد المجاهد بمنتهى السرعة في جيش كثيف من الأبطال المجاهدين وهزم الجيش الهندي المتحد هزيمة ساحقة وذلك عند قلعة تسمى "بيهيمنكر" على سفح الهمالايا، وعندها أذعن كل أمراء الهند لسلطان الإسلام ودخل كثير منهم الإسلام ومن بقي دفع الجزية عن يد وهو من الصاغرين.


في سنة 408 هجرية بدا "محمود بن سبكتكين" في فتح كشمير، فدخلها من ناحية الشمال الغربي، فعبر نهر "جهلم" ودخل قلب كشمير وأخضع أمراءها، وتحولت كشمير إلى بلاد مسلمة، وكان لهذا الانتصار صدى بعيد، حيث دخل معظم أمراء الهند في دين الإسلام وعلموا أنه الدين الحق الذي لا يغلب من يتمسك به ويعمل به ويدعو إليه، وبعدها قرر "محمود" أن يتجه جنوبًا حيث إقليم الكوجرات وذلك من أجل مهمة خاصة جعلها "محمود بن سبكتكين" درة أعماله وتتويجًا لفتوحاته وجهاده الطويل.


 


ثالثًا: هدم صنم الهندوس الأكبر "سومنات":


استمر السلطان الفاتح "محمود بن سبكتكين" في حملاته وفتوحاته لبلاد الهند، وكان كلما فتح بلدًا أو هدم صنمًا، أو حطم معبدًا قال كفار الهند: إن هذه الأصنام والبلاد قد سخط عليها الإله "سومنات"، ولو أنه راض عنها لأهلك من قصدها بسوء، فسأل "محمود" عن "سومنات" هذا فقيل له: إنه أعظم الأصنام ومعبود الهنود الأكبر، ويعتقد الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على عقيدة التناسخ عندهم فيعيدها فيمن شاء بزعمهم، وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر له.


 


يقع "سومنات" على بعد مائتي فرسخ من مصب نهر "الجانج" بإقليم "الكوجرات" في غرب الهند، ولهذا الصنم وقفت عشرة آلاف قرية، وعنده ألف كاهن لطقوس العبادة وثلاثمائة رجل يحلقون رءوس ولحى زواره، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون على باب الصنم، وعندما اطلع "محمود" على كل هذه المعلومات عزم وتوكل على الله في غزوه وتحطيمه وفتح معبده ظنًا منه أن الهنود إذا رأوا تحطيم معبودهم وكذب أمره دخلوا في دين الإسلام وانتهت الوثنية من الهند.


 


خاض "محمود بن سبكتكين" العديد من المفاوز والمستنقعات وأعوزهم الماء حتى كادوا أن يهلكوا، فقام محمود ومن معه بالابتهال والاستغاثة بالله عز وجل، فبعث الله عز وجل لهم سحابة أمطرت عليهم الماء الوفير فشربوا وسقوا وقويت أبدانهم وقلوبهم على عدوهم، ووصلوا إلى بلدة "دبولواره" فاستولى عليها بعد أن ظن أهلها أن معبودهم "سومنات" سيمنعهم، ووصل "محمود" إلى مكان "سومنات" في منتصف ذي القعدة سنة 416 هجرية، فوجد أهلها على الأسوار يتفرجون على المسلمين واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم، ولكن هيهات هيهات لقوم أضل من البهائم، انقض محمود ومن معه على كفار الهند ومعبودهم "سومنات" ورأى الكفار ما لم يروه من قبل في القتال والشدة وعظم الخطب عليهم، وكان الكفار يتقدم الواحد منهم إلى "سومنات" فيسجد إليه ويعفر له خده ويعتنقه ويتضرع إليه ثم يخرج للقتال، فيقتل كالشاة الحمقاء، وهكذا حتى قتل المسلمون من الهنود خمسين ألفًا ففر باقي الهنود ودخل المسلمون المدينة وهنا حدث موقف لا يقل روعة ولا جلالًا عن مواقف محمود بن سبكتكين السابقة.


 


لله درك يا محمود!!


بعدما حقق الله لمحمود بن سبكتكين نصره المبين على كفار الهند وفتح "سومنات"، عزم محمود على هدم هذا الصنم الذي يعبد من دون الله عز وجل، فجاءه رؤساء الهنود وعرضوا عليه دفع أموال طائلة تقدر بالملايين، ومال أصحاب محمود وأمراء جيشه بالقبول وترك الصنم لتعويض الأموال الكثيرة التي أنفقت على تمويل الحملة، فبات "محمود" طوال ليلته يفكر ويستخير الله عز وجل، فلما أصبح قرر هدم الصنم "سومنات" وعدم قبول الأموال، وقال كلمته الشهيرة والتي تكتب بماء الذهب: "إني فكرت في الأمر الذي ذكر، فرأيت إذا نوديت يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إلي من أن يقال: أين محمود الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا؟" ولا نملك مع هذا الموقف العظيم إلا أن نقول للسلطان "محمود": لله درك يا محمود!!.


والعجيب أن المسلمين بعدما كسروا صنم "سومنات" وجدوا بداخله كنوزًا هائلة من الياقوت والجواهر أضعاف أضعاف ما عرضه الهنود، فغنمه المسلمون وجمع الله عز وجل لهم فضيلة كسر الصنم وأفاء عليهم بأضعاف أضعاف ما تركوه، وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال: "من ترك شيئًا لله عز وجل عوضه الله بأفضل منه".


 


شهيد على فراشه:


ظل محمود بن سبكتكين رافعًا لراية الجهاد في سبيل الله ليل نهار، لا يكل، ولا يمل، ولا يتعب، ولا يكاد يجلس على فراشه، طالبًا للشهادة من مظانها وفي كل موطن، وقد أنشأ دولة عظيمة شاسعة تضم إيران وما وراء النهر والشمال الهندي كله، وأخضع لسلطان الإسلام السند والبنجاب وحوض الجانج إلى حدود البنغال، ونشر الإسلام والعقيدة الصحيحة بتلك الربوع والسهول التي كانت مرتعًا للعقائد الضالة وأفكار الفلاسفة، وقد عزم "محمود" على أن ينقل عاصمته إلى إقليم "الكوجرات" لتدعيم الوجود الإسلامي بالهند ويا ليته فعل ذلك، ولكن رجاله عز عليهم مفارقة مواطنهم وديارهم فصرفوه عن هذه الفكرة، وظل السلطان "محمود بن سبكتكين" مجاهدًا غازيًا، أخذ على عاتقه نشر الإسلام في بلاد الهند والقضاء على الوثنية فيها وبلغت مساحة فتوحاته ما فتحه الفاروق عمر، وبلغت رايته الجهادية أماكن لم تبلغها راية قط، ولم تتل بها سورة ولا آية قط، وأقام شعائر الإسلام في أقصى ربوع الأرض.


ومع ذلك ورغم هذه الحياة الطويلة فوق ظهر الخيل ورفقة السلاح إلا أنه مات على فراشه بعدما أصابه داء البطن، ومكث عامين مريضًا، ولكن لا يضطجع، بل يتكئ على جنبه، ويحضر مجلس الحكم ليفصل بين الناس، ويسير شئون الدولة، حتى مات رحمه الله مبطونًا ولعلها تكون شهادة كما ورد ذلك في الحديث، تعوض هذا السلطان العظيم الذي فتح بلاد الهند وظل طوال حياته يطلب الشهادة كيما ينالها، وينصر الإسلام وينشره كيما يرضى عنه ربه، فسلام عليك يا أعظم سلاطين الإسلام!


 


المصادر:


1- الكامل في التاريخ.


2- النجوم الزاهرة.


3- البداية والنهاية.


4- تاريخ الخلفاء.


5- سير أعلام النبلاء.


6- وفيات الأعيان.


7- فتوح البلدان.


8- أطلس تاريخ الإسلام.

كتبه: شريف عبدالعزيز الزهيري. موقع الألوكة. 



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/112210/%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%A8%D9%86-%D8%B3%D8%A8%D9%83%D8%AA%D9%83%D9%8A%D9%86/#ixzz7YAxlLMVu

الاثنين، 31 يناير 2022

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

 كان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات ، فكان جبريل عليه السلام  يدارسه القرآن في رمضان(١) ، وكان رسول اللہ ﷺ إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان أجود الناس ، وأجود ما يكون في رمضان(٢) ، يكثر فيه من الصدقة والإحسان ، وتلاوة القرآن ، والصلاة ، والذكر ، والاعتكاف ، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور ( ۳ )

______________

(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، رقم الحديث ( ٣٦٢٤ ) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل فاطمة بنا ، رقم الحديث ( ٢٤٥٠ ) ( ٩٨ ). 

(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه ، كتاب الصيام ، باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان ، رقم الحديث ( ۱۹۰۲ ) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب كان النبي ﷺ أجود الناس ، رقم الحديث ( ۲۳۰۸ ) . 

(٣)انظر : زاد المعاد ( ۳۰/۲ )


منقول كاملا من كتاب اللؤلؤ المكنون ج ٢ ص ٢٧٧

الاثنين، 23 أغسطس 2021

إطلالة تعريفية على لامية ابن تيمية



بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

هذا المقال القصير هو تعريف بلامية ابن تيمية رحمه الله تعالى وما يتعلق بها وقد جعلته في عدة نقاط.

1- التعريف بابن تيمية

2-  لماذا ابن تيمية؟

3- التعريف باللامية

4- نص اللامية

5- شرح إجمالي للمنظومة

6- شروح اللامية

 

 

أولاً: التعريف بابن تيمية:

هو الشيخ الإمام، المفسر المجتهد، قامع أهل البدعة، مجدد الملة وناصر السنة بعد القرون المفضلة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني. وأبوه وجده من علماء أهل الإسلام. توفي رحمه الله سنة ٧٢٨ هـ.

ثانياً: لماذا حضور ابن تيمية؟

الجواب: إضافة إلى علمه وسعة اطلاعه على المعارف العقلية والنقلية ودقه فهمه وتمسكه بالدليل ومجاهدته أهل البدع والرد على جميع الطوائف المخالفة للسلف، فقد كان السبب الأكثر أنه حرر طريقة السلف في (العقيدة والفقه) وخلصها مما أدخل عليها في كتب المتأخرين، من علم الكلام ومن التكلفات والافتراضات التي لا دليل عليها، وإن كان لغيره جهود إلا أنه فاق غيره في تحريرها وتحقيقها وردها على طريقة الصحابة والسلف الصالح، فكان كثيراً ما يحتج بهدي الصحابة المباشر البعيد عن تلك التكلفات والافتراضات، فكان لهذا أثر بالغ في الحياة العلمية بعد زمن ابن تيمية، ويضاف لذلك أيضا وصول كثير من كتبه إلينا وعناية العلماء بها، وأيضا فقد علم وربى تلامذة أفذاذ كأبن القيم وابن مفلح وابن عبدالهادي وابن كثير والذهبي ، كما أن المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب استفاد من شيخ الإسلام وتأثر به مما زاد من حضوره في الحركة العلمية الشرعية من بعده. [1]

ثالثاً: التعريف باللامية:

 هي منظومة مكونة من 16 بيت تسمى (لامية) لأن أواخر أبياتها تنتهي بحرف اللام، وتنسب لشيخ الإسلام باعتبار أنها وجدت مخطوطة بين رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتب على بعضها (عقيدة ابن تيمية) فنسبت له، إلا أنها لم تذكر في مؤلفاته، ولم يذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى-ضمن مؤلفات شيخ الإسلام، ولذا يقولون: المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي منظومة ثمينة على اختصارها، والكلام الموجود فيها حق، سواء كانت لشيخ الإسلام أو لغيره رحم الله الجميع [2]ولعبد الرحمن العقل في كتابه (بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام) بحث ماتع في مسألة نسبة اللامية لشيخ الإسلام.

 

رابعاً: نصها:

يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ

اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَـولـِه *** لا يَنْـثَني عَنـهُ ولا يَتَبَـدَّلُ

حُبُّ الصَّحابَةِ كُلّهِمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّــلُ

وَلِكُلِّهِمْ قَـدْرٌ عَلا وفَضائلٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَـلُ

وأُقِـول في القُرآنِ ما جاءَتْ بِـه *** آياتُـهُ فَهُوَ الكريمُ المُنْـزَلُ

وأقولُ قالَ الُله جل جلاله *** والمصطفى الهادي ولا أتأوَّلُ

وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّهـا *** حَقـاً كما نَقَـلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ

وأَرُدُّ عُهدتهـا إلى نُقَّالِهـا*** وأصونُها عـن كُلِّ ما يُتَخَيَّلُ

قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القرآن وراءَهُ *** وإِذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ

والمؤمنون يَـرَوْنَ حقـاً ربَّهُمْ *** وإلى السَّمـاءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ

وأُقِرُ بالميـزانِ والحَوضِ الذي *** أَرجـو بأنِّي مِنْـهُ رِيّاً أَنْهَـلُ

وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّمٍ *** فَمُسَلَّمٌ نَـاجٍ وآخَـرَ مُهْمَـلُ

والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَة ٍ *** وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ

ولِكُلِّ حَيٍّ عاقـلٍ في قَبـرِهِ *** عَمَلٌ يُقارِنُـهُ هنـاك وَيُسْـأَلُ

هذا اعتقـادُ الشافِعيِّ ومالك ٍ*** وأبي حنيفـةَ ثم أحـمدَ يُنْقَلُ

فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوَفَّقٌ *** وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَـوَّلُ

 

خامساً: شرحها:

تضمنت اللامية بعض مسائل العقيدة وليس جميعها وسبب ذلك أنها فتوى لسائل، والفتوى تكون جواب لما سأل عنه السائل.

يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ

المذهب يكون في الفروع والعقيدة تكون في الأصول ولكن المراد هنا بالمذهب هو ما يصار إليه في الاعتقاد، والعقيدة هي ما يعقد عليه القلب ويجزم به، وأما الشطر الثاني فدعاء للسائل وهو متضمن للإخبار بأن من طلب الهداية راغب فيها فإنه يوفق لها، وفيه التنبيه لمن جاء يسأل أهل العلم أن يكون غرضه طلب الحق والهدى.

اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَـولـِه *** لا يَنْـثَني عَنـهُ ولا يَتَبَـدَّلُ

أستمع سماع قبول وانتفاع إلى كلام متثبت في قوله معتمد على الكتاب والسنة ثابت القدم راسخ في العلم، قد عرف الحق بدليله فلا يستبدله بغيره، وهذا حال أهل الاعتقاد الصحيح.

حُبُّ الصَّحابَةِ كُلّهِمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّــلُ

بدأ بذكر الصحابة لأنهم حملة الدين، والسلف الصالح هم الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، فالصحابة علمهم ومنهجهم أساس لفهم الكتاب والسنة وأساس لفهم الإسلام، وأما التابعين فهم كوصفهم أنهم متبعين للصحابة وتابعي التابعين كذلك أتباع للتابعين الذين هم متبعين لنهج الصحابة مقتفين لأثرهم. قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533) واللفظ للبخاري.

وحب الصحابة من الإيمان وبغضهم من النفاق ومتى ثبتت الصحبة فقد وجبت المحبة دون استثناء، لذا قال (كُلّهِمْ) والمراد محبة زائدة على محبة من عداهم من الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري (13) ومسلم (45). فهذا في سائر المسلمين فأما الصحابة فيجب لهم من المحبة فوق ذلك. ومودة القربى أي محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل بيته، بها أتوسل أي أتقرب لله تعالى بحب الصحابة وحب آل النبي، فهذه المحبة عمل صالح يتقرب به ويتوسل به أي يتوصل به لمرضاة الله، وأما التوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم فليس بمشروع بل هو بدعة إذ لا دليل عليه، فالتوسل عبادة والعبادة توقيفية تبنى على الدليل. وفي هذا البيت رد على الروافض الذين يبغضون الصحابة ويكفرونهم ويغالون في علي وأولاده، وعلى النواصب الذي ينصبون العداء لأهل البيت، وعلى الخوارج الذي كفروا علي ومعاوية ومن معهم من الصحابة فأهل السنة وسط في عقيدتهم في الصحابة، فينزلونهم منزلتهم ويعرفون لهم سبقهم ويتقربون لله بحبهم.

وَلِكُلِّهِمْ قَـدْرٌ عَلا وفَضائلٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَـلُ

وأفضل الصحابة الصديق وهو وخير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليم وسلم ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم ولكلهم مكانة وقدر رفيع وكلهم عدول ولهم مناقب وفضائل.

وأُقِـول في القُرآنِ ما جاءَتْ بِـه *** آياتُـهُ فَهُوَ الكريمُ المُنْـزَلُ

أي أعتقد في القرآن ما دلت عليه آيته من أنه كلام الله لفظه ومعناه، تكلم به حقيقة، منزَّل غير مخلوق، سمعه محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل وسمعه جبريل من الله جل جلاله، وفي هذا رد على المعتزلة والأشاعرة والماتريدية على اختلاف أقوالهم.

والكريم صفة للقرآن كما قال تعالى﴿ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ ﴾[الواقعة 77] والكريم لغة: الذي فاق غيره في الحسن والفضل، والقرآن الكريم أي: واسع الخيرات رفيع القدر عظيم النفع، وقد جاء في بعض النسخ (فَهُوَ القديم المُنْـزَلُ) والقديم من ألفاظ المتكلمين وقد أنكر لفظة القديم شيخ الإسلام وقال في كتابه التسعينية (ص612) (أن أحدًا من السلف والأئمة لم يقلإن القرآن قديم، وإنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته).

وأقولُ قالَ الُله جل جلاله *** والمصطفى الهادي ولا أتأوَّلُ

أي أستدل بالقرآن والسنة، وأعتقد ما جاء عن الله تعالى في القرآن وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة ولا أتأول ما ورد في أسماء الله وصفاته وأفعاله بل أمرها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف. والتأويل أنواع والمراد هنا التأويل الباطل كتأويل اليد بالنعمة والاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الملك والرحمة والأمر.

وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّهـا *** حَقـاً كما نَقَـلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ

حيث قال السلف الصالح -وهم أئمة التابعين وأئمة أتباع التابعين -: (أمروها كما جاءت بلا كيف) و (أمروها كما جاءت) (يعني بما دل عليها ظاهرها، وظاهرها يدل على إثبات الصفة ولهذا قال –أي شيخ الإسلام - (أمروها كما جاءت رداً على المعطلة) ، والمعطلة هم نفاة الصفات) [3] فالمعطلة ينفون صفات الله الواردة في النص فيقولون مثلا  ليس لله يد و يؤولونها بالنعمة، فيعطلون الصفة عن معناها ويثبتون معنى لم يرد في النص، وهم لم يحرفوها إلا بعد أن اعتقدوا التشبيه ففروا منه إلى التعطيل.

(بلا كيف) نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة [4] وقولهم (بلا كيف) رد على الممثلة [5] فصفات الله لها كيفية ولكن لا نعلمها بل نفوض العلم بها لله وحده فلا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه {لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ} [الشورى 11].

 ومعنى الطِّرازالجيّد من كل شيء[6].

ثم إنه فَرْقٌ بين قول السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف وبين تفويض المفوضة.

 فالسلف يؤمنون بنصوص الصفات، و لها عندهم معانٍ، كل نص له معنى، فما جاء في صفة الرحمة ليس هو ما جاء في صفة الاستواء إلخ، فيؤمنون بلفظها ومعناها، أما الكيفية فيفوضون علمها إلى الله، فكان من نتيجة ذلك زيادة إيمانهم ومعرفتهم بربهم وتوسلهم لله بأسمائه وصفاته وتفكرهم في آثار الصفات في المخلوقات، فيرون في خلق الله آثار رحمته وقدرته وعلمه وتدبيره لمخلوقاته ورزقه لهم وبطشه وانتقامه من أعدائه و نصره أنبياءه  ..إلخ من الأثار المترتبة على الصفات، فيزدادون بذلك إيماناً وعلماً.

 وأما المفوضة فينكرون الصفات ونتيجة لذلك يفوضون فيقولون إن (الرحمن الرحيم) (ينزل ربنا) (ويد الله) و (الاستواء) وغيرها من الصفات أنها لا معنى لها فهي مثل (ديز) عكس (زيد) حروف وألفاظ بلا معانٍ، وقولهم إنما هو نتيجة عدم إثبات الصفات لذلك خيارهم الآخر هو التعطيل على قاعدتهم (وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها) وقول المفوضة كما يقول ابن تيمية[7]: من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. وقد تعلق بعض المتأخرين منهم بألفاظ متشابهة لبعض السلف دون فهمها في سياقها التي وردت فيه، ودون ردها لمحكم عقيدتهم الواضح، فاتهموهم بالتفويض وهناك كتب في رد تلك الدعاوى[8].

وأَرُدُّ عُهدتهـا إلى نُقَّالِهـا *** وأصونُها عـن كُلِّ ما يُتَخَيَّلُ

أي أخرج من تبعتها، برد سندها وألفاظها و طريقة فهمها إلى السف الصالح والأئمة الحفاظ والثقات العدول الذين نقلوها، فإذا رد عهدتها إليهم فقد برئ من الوهم والافتراء والخطأ، وكذلك أصونها عن كل ما يتخيل، فكل ما يخطر بالبال من التصورات فالله بخلافه، وينزه عن تلك التصورات فلا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه، والعقل قاصر عن ذلك كما قال تعالى (وَلَا یُحِیطُونَ بِهِۦ عِلۡمࣰا) [طه 20] (فعقل البشر إنما يدور فيه أحد ثلاثة أشياء.. أن يدور فيه رؤية الشيء، أو رؤية مثيل له، أو رؤية ما يقاس عليه ..أما مالم يره ولم ير مثيلا له ولا ما يقاس عليه فلا يدور في الذهن ..فنصوص الصفات .. لنا العلم بأصل المعنى دون كماله وأما الكيفية فلا يمكن أن تحوم لأحد من البشر على بال ..فإذاً الكيفية مقطوع الطمع عن إدراكها) [9]، أما المبتدعة فلم يصونوها عن التخيل فوقعوا في التشبيه ثم التعطيل لمخالفتهم أمر الله﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ [الإسراء٣٦] فتأمل قوله والفؤاد.

 

قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القرآن وراءَهُ *** وإِذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ

الله سبحانه وتعالى متصف بالكلام كما قال تعالى﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِیمࣰا ﴾[النساء ٦٤]﴿ وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ ﴾[الأعراف ١٤٣] وقال تعالى﴿ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ یَسۡمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ﴾[التوبة 6]﴿ وَیَوۡمَ یُنَادِیهِمۡ فَیَقُولُ أَیۡنَ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ﴾[القصص ٧٤] فالمبتدعة من المعتزلة والأشاعرة أنكروا أن الله يتكلم ونبذوا ما دل عليه القرآن واستدلوا ببيت ينسب للشاعر النصراني الأخطل 

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فقالوا إن كلام الله معنى قائم بالنفس وأنه سبحانه لا يتكلم، وقد أبطل شيخ الإسلام القول بالكلام النفساني بنحو تسعين وجهاً في رسالته (التسعينية).

وهذا البيت لم يثبت عن الأخطل، ولو ثبت فليس بحجة، وليس هو من أهل الاحتجاج اللغوي، إضافة إلى عقيدته المنحرفة ثم (الكلام) في اللغة العربية هو الكلام بحرف وصوت المسموع، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت، وأما حديث النفس فليس بكلام ولا فرق بين الأخرس والمتكلم في حديث النفس. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ). البخاري (8269) ومسلم (127) واللفظ له. ففرَّقَ بين حديث النفس وبين الكلام.

والمؤمنون يَـرَوْنَ حقـاً ربَّهُمْ *** وإلى السَّمـاءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ

من عقيدة أهل السنة أن المؤمنون يرون ربهم حقاً وجزماً في الموقف وفي الجنة قال الله تعالى﴿ وُجُوهࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ نَّاضِرَةٌ ۝٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ ۝٢٣﴾[القيامة ٢٢-٢٣] وقال تعالى (كَلَّاۤ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ لَّمَحۡجُوبُونَ) [المطففين 15] قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية (هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته) اهـ. والعلماء استدلوا بها على أن المؤمنون يرون ربهم في الآخرة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُّون في رؤيته) البخاري (554) ومسلم (633) والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وأهل الباطل من الجهمية والرافضة والمعتزلة والإباضية وغيرهم أنكروا رؤية الله بمقدمات عقلية فلسفية، وبنوا عليها اعتقادهم، ثم جاؤوا يعضدون أقوالهم فقالوا إن قول الله (لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ) يدل على نفي الرؤية، ورد عليهم أهل السنة فقالوا بل الآية تدل على عدم الإحاطة وأن المؤمنون يرون ربهم في الجنة رؤية بغير إحاطة، كما حرفوا معنى الآية الأخرى التي تدل على الرؤية فقالوا إن قوله تعالى (وُجُوهࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ) قالوا أي منتظرة ثواب ربها، وهذا باطل فالنظر في اللغة إذا عدي بإلى يراد به النظر عياناً بالأبصار، وأما الانتظار فلا يعدى بإلى.

وقال صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).

 والنزول صفة ثابته لله تعالى، ولا يعلم كيف ينزل إلا هو، والقول في الصفات باب واحد، فكما أنه لا يعلم كيف ذاته إلا هو فلا يعلم كيف صفات ذاته إلا هو سبحانه وتعالى وكما قال تعالى (لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ) الآية. والمعطلة قالوا المعنى ينزل ملك أو تنزل رحمة الله أو أمر الله، وهذا واضح البطلان فإن الملك والرحمة والأمر لا تقول من يستغفرني من يدعوني، كما أن نزول الملك ونزول الرحمة والأمر في كل حين وليس في ثلث الليل الآخر.

وأُقِرُ بالميـزانِ والحَوضِ الذي *** أَرجـو بأنِّي مِنْـهُ رِيّاً أَنْهَـلُ

ويؤمن أهل السنة بميزان حقيقي توزن فيه أعمال العباد قال تعالى﴿ وَنَضَعُ ٱلۡمَوَ ٰ⁠زِینَ ٱلۡقِسۡطَ لِیَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسࣱ شَیۡـࣰٔاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةࣲ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَیۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِینَ﴾[الأنبياء٤٧] وقال صلى الله عليه وسلم: (كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ (أخرجه البخاري (٦٤٠٦) ومسلم (٢٦٩٤) وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

ومن عقيدة أهل السنة الإيمان بالحوض وهو موجود الآن (وإنِّي لَأَنْظُرُ إلى حَوْضِي الآنَ) أخرجه البخاري(٤٠٨٥والأحاديث الصحيحة في إثبات الحوض وبيان صفته كثيرة.

والشطر الثاني دعاء، أشار فيه الناظم إلى أنه حوض حقيقي يشرب منه المؤمنون كما جاء وصفه بذلك في الأحاديث، خلافا لمن أوله كالمعتزلة الذي أولوا الحوض بأنه برد قلوب المؤمنين وطمأنينتهم ونحو ذلك[10].

وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّمٍ *** فَمُسَلَّمٌ نَـاجٍ وآخَـرَ مُهْمَـلُ

قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: (...ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ ... فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ...) الحديث، أخرجه البخاري (7439) ومسلم (183).

وفي نسخة (فَمُوَحِّدٌ نَـاجٍ وآخَـرَ مُهْمَـلُ) والمثبت موافق للفظ الحديث، وليس كل موحد ينجو عند المرور على الصراط. ولأن الكفار لا يمرون على الصراط بل يدخلون النار حتى إذا لم يبقى إلا من كان يعبد الله وحده نُصب الصراط على متن جهنم، كما بينته الأحاديث المتفق عليها[11].

والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَة ٍ *** وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ

ومن عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن قال تعالى عن الجنة (أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ) الآية، وقال عن النار (أُعِدَّتۡ لِلۡكَـٰفِرِینَ) الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة( رواه البخاري(1379) ومسلم (2866)
والنار يدخلها الشقي بعدل الله وحكمته، والجنة يدخلها التقي بفضل الله وبرحمته، فمن أطاع الله دخل الجنة بفضل الله ورحمته وحكمته، ومن تولى وتكبر واتبع هواه دخل النار بعدل الله وحكمته (وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِیهِمۡ خَیۡرࣰا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوۤا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾ والله بصير بعباده عليم حكيم.

ولِكُلِّ حَيٍّ عاقـلٍ في قَبـرِهِ *** عَمَلٌ يُقارِنُـهُ هنـاك وَيُسْـأَلُ

عذاب القبر وفتنته ونعيمه حق ثابت بالكتاب والسنة وهذا اعتقاد أهل السنة، فكل حي عاقل إذا مات فإن عمله يقارنه أي يلازمه في قبره كما قال صلى الله عليه وسلم (يتبِعُ الميِّتَ ثلاثةٌ، فيرجِعُ اثنانِ ويبقى واحِدٌ: يتبِعُه أَهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أَهلُه ومالُه ويبقى عملُه) رواه البخاري (٦٥١٤) ومسلم (٢٩٦٠) ويُسأل: من ربك؟ مادينك؟ من نبيك؟

وقال صلى الله عليه وسلم (المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، فَذلكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: ٢٧]. أخرجه البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١) بنحوه 

وعذاب القبر دل عليه القرآن قال تعالى﴿ ٱلنَّارُ یُعۡرَضُونَ عَلَیۡهَا غُدُوࣰّا وَعَشِیࣰّاۚ وَیَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوۤا۟ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ﴾[غافر ٤٦] وقال سبحانه﴿ وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِی غَمَرَ ٰ⁠تِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ بَاسِطُوۤا۟ أَیۡدِیهِمۡ أَخۡرِجُوۤا۟ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡیَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَیۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَایَـٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ﴾[الأنعام ٩٣]

ومن السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِن عذابِ القبرِ.) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) واللفظ للبخاري

والأدلة فيما يتعلق بهذا الباب كثيرة.

هذا اعتقـادُ الشافِعيِّ ومالك ٍ*** وأبي حنيفـةَ ثم أحـمدَ يُنْقَلُ

فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوَفَّقٌ *** وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَـوَّلُ

ما سبق في هذا النظم هو من اعتقاد السلف الصالح وكذلك الأئمة الأربعة الذين يقتدي بهم المسلمون، وهذا الاعتقاد ليس من عند الناظم ولكن يُنقل عنهم في المصادر المعتمدة. فإن سرت على نهجهم واتبعت سبيلهم فموفق وإن ابتدعت فما عليك معول.

سادساً: تعريف ببعض شروح اللامية:

1-اللآلئ البهية شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية لأحمد بن عبد الله المرداوي الحنبلي (كان حيا سنة 1236)

وهو شرح طويل وماتع، كثير النقول عن أهل العلم، يقع في 224 صفحة، ولا يخلوا من مؤاخذات وعبارات لا يتابع عليها، إلا أن المحقق للكتاب إياد بن عبد اللطيف القيسي أعتنى بالكتاب وخدمة خدمة كبيرة، ونبه في المقدمة وفي الحواشي على تلك المواضع، وأضاف تعليقات الفوزان حفظه الله، وهو شرح لا يناسب طالب العلم المبتدئ. ويظهر والله أعلم أنه لا يوجد شرح محفوظ للمنظومة قبل شرح المرداوي.

2-الفوائد البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية لمحمد بن علي البعداني

وهو شرح متوسط محرر تحريراً جيداً، أعتمد فيه على الآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم المعروفين، مع ذكر أبرز الشبهات في كل باب والرد عليها من خلال الأدلة ومن كلام أهل العلم، وهو من أنسب الشروح التي وقفت عليها وأفضلها، والكتاب في 90 صفحة.

3-شرح لامية شيخ الإسلام من كلام شيخ الإسلام لد. طالب بن عمر بن حـيدرة الكثيري

وتميز الكتاب بأن المؤلف جمع أقوال ابن تيمية من كتبه ومصنفاته وألف بينها لتكون بيان وشرح للمنظومة، فالكتاب نقول عن شيخ الإسلام رحمه الله، وفائدة مثل هذا الكتاب جليلة، ويقع في 38 صفحة، ويمكن لأحد أن يعيد تأليف مثل هذا الكتاب باختيار نقولات لابن القيم. أو لشيخ الإسلام بأن يكون الكتاب إما أكثر سهولة أو عمق أو إضافة شرح بين النقول..إلخ مما يمكن أن يتميز به الكتاب عن غيره، لاسيما مع كثرة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية .

4-شرح القصيدة اللامية لابن تيمية لصالح بن سعد السحيمي

وهو دروس ألقيت ثم فرغت، وهو شرح مختصر مجمل لعقيدة أهل السنة التي وردت في اللامية، وهو جيد للابتداء به. وعدد صفحاته 36 صفحة

5-بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام لعبد الرحمن العقل

وهو شرح جيد إلا أنه كثير الاستطرادات التي تشتت القارئ، وعدد صفحاته 115 صفحة.

6-شرح لامية شيخ الإسلام لعبد الله حمود الفريح

وهو شرح مختصر ويجيب فيه عن بعض شبهات المبتدعة وصفحاته 40 صفحة.

7-تعليقات على لامية ابن تيمية لزيد بن فالح الربع

وهو شرح مختصر يقع في 35 صفحة.

8-الفوائد السنية شرح العقيدة اللامية لمحمد هشام طاهري

وهو شرح متوسط، قليل النقول ، وعدد صفحاته 87 صفحة،

 والشروح التالية معروفة ومعروف مؤلفيها وهي:

9-شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد الكريم الخضير

10-التقريرات على (شرح لامية ابن تيمية لابن جبرين) لصالح العصيمي

11-شرح لامية ابن تيمية للعلامة ابن جبرين

12-شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

وغيرها من الشروح الطيبة المباركة.

والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

           كتبه أبو وريف بدر عبد الله الصاعدي

 

_____________________________________

1-ينبوع الغواية الفكرية لعبد الله العجيري ص 512-519 بتصرف.

2-أنظر شرح اللامية لعبد الكريم الخضير ص 20.

3-شرح الحموية لصالح آل الشيخ ص182.

4-الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام   تحقيق د. عبد القادر الغامدي ص 118.

 5-المصدر السابق ص116.

6-لسان العرب والمعجم الوسيط أنظر موقع المعاني.

7-درء التعارض، ج 1 ص 205.

 8-للاستزادة أنظر شرح الواسطية للهراس ص 67، وشرح الواسطية لابن عثيمين ج1 ص 83-86، وشرح الحموية لصالح آل الشيخ ص 157-159، وأنظر المطلب الثالث: في إبطال التفويض موقع الدرر السنية جمع فيه أقوال ابن تيمية وابن القيم وغيرهم.

9-شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ ص183-184 بتصرف. 

10-أنظر اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ ص 255

11-كما ورد في الحديث الطويل الذي رواه البخاري (6573) ومسلم (182) والحديث الطويل الذي رواه البخاري (7439) ومسلم (183).

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقلات لدعوة غير المسلمين للإسلام