السبت، 4 أبريل 2020

مامعنى الخسران المذكور في سورة العصر؟


                                         مامعنى الخسران المذكور في سورة العصر؟

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3))
يقول الأمام المفسر الاصولي محمد الامين الشنقيطي رحمه الله في كتابه العَذْبُ النَّميْرُ :
والخاسرون جمع الخاسر. وبعض العلماء يقول: ﴿الخاسرون﴾: الهالكون. وأصل الخسران : هو ذهاب مال التاجر، سواء كان ربحا أو رأس مال، وكل من خسر شيئا من ماله فقد خسر .
وخسران الناس: المراد به غبنهم حظوظهم من ربهم (جل وعلا) ، وقد أقسم الله (جل وعلا) على أن هذا الخسران لا ينجو منه أحد إلا بتلك الصفات المقررة المعروفة في تلك السورة الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿والعصر) ١( إن الإنسان لفي خسر) ٢﴿إن الإنسان﴾ الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى: إن كل إنسان كائنا من كان لفي خسر، أي: في غبن من حظوظ ربه (جل وعلا) ونقص ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)[لعصر:
الآيات ١ - ٣] 
وخسران الناس: أي: غبنهم في حظوظهم من ربهم جلا وعلا
 
إن كل إنسان معمر أعطاه الله (جل وعلا) رأس مال، ورأس هذا المال هو الجواهر التي لا يزنها في الدنيا شيء، ولا يقوم مقامها شيء، وهي رأس مال كل إنسان. ونعني بهذه الجواهر: ساعات العمر وأيامه؛ لأن رأس مال الإنسان هو ساعات عمره وأيامه، وهذا هو أنفس شيء وأعظم شيء يعطى للإنسان ،وهو رأس ماله، وكما أن الله لما جعله رأس ماله جعله أخا الرسول أيضا في إقامة الحجة عليه به حيث قال: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ [فاطر: آية ٣٧] فإذا كان الإنسان المعمر -سواء عمر تعميرا طويلا أو غيره كما قال تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) [فاطر: آية ١١] فإن كان هذا المعمر- حاذقا لبقا يعرف كيف يحرك رؤوس الأموال، وكيف يستفيد منها، حرك رأس هذا المال -أعني ساعات عمره وأيامه حركها- فيما يرضي الله، فراقب اللحظات والأيام والليالي والدقائق والثواني لئلا يضيع شيء منها في غير طاعة الله، فنظر الأوقات التي تتوجه فيها أوامر من ربه -كأوقات الصلاة، وأوقات الحج، وغير ذلك من المطلوبات التي لها أوقات تتوجه عند وجودها- فقام لله بذلك أحسن قيام، ثم إنه في الأوقات التي لا تتوجه بها وظائف من رب العالمين، وأوامر معينة يكف شره ويخاف الله (جل وعلا) ويستكثر من الخير ما استطاع، فإذا حرك هذا رأس هذا المال هذا التحريك العظيم وتجر مع رب العالمين هذه التجارة الرابحة ربح منها ملكا لا ينفذ، ربح منها الحور العين والجنات والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم. وقد سمى الله تحريك رأس هذا المال معه (جل وعلا) على الوجه الذي ذكرنا سماه (بيعا) وسماه (شراء) وسماه (تجارة) وسماه (قرضا) ؛ لأن صاحبه حرك رأس ماله -وهو أيام عمره - تحريكا حسنا لائقا؛ ولذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم  تؤمنون بالله﴾ الآية [الصف: الآيتان ١٠، ١١] .
فصرح بأن ذلك تجارة مع الله، وقال جل وعلا: ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ [فاطر: آية ٢٩] وقال جل وعلا: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ إلى قوله: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ [التوبة: آية ١١١] .
 وقال جل وعلا: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] فإذا كان صاحب رأس هذا المال المسكين رجلا أحمق لا يعرف حقائق الأشياء، ولم يتنور باطنه بنور الوحي ،لم يعرف قيمة رأس هذا المال، ولا قدر هذه الجواهر التي أعطاه الله فضيعها في قال وقيل، ولم يكتسب منها شيئا حتى ينتهي الأجل المحدد له فيجر إلى القبر وهو صفر الكفين ،والآخرة أيها الْخوان دار لا تصلح للمفاليس، لا تصلح للفقراء؛ لأن ليس فيها إرفاق، ولا عارية، ولا صدقة، ولا خلة ،ليس فيها للإنسان إلا ما قدمه من عمله، فلا ينبغي للإنسان أن يقدم عليها مفلسا، فيجب على المسلمين كُلا ا أن يحترموا رأس هذا المال.
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز عليه من الْنفاق في غير واجب فلا ينبغي للمسلم أن يضيع أوقات عمره في لعب الأوراق، وفي قيل وقال، فإن هذا فعل السفهاء، ولا يدري في أي وقت يموت. وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أنه إن مات ندم غاية الندم بعد فوات الفرصة على ضياع هذه الأعلاق النفيسة ،والجواهر الثمينة -التي هي أيام عمره- في قال وقيل، ولعب أوراق، وربما كان ضيعه في أشياء لا ترضي من خلقه (جل وعلا) ، فهذا لا ينبغي، فعلينا معاشر المؤمنين أن نعرف قدر رأس مالنا، وأن نقدر أعمارنا، ونعرف قصرها، ولا ندري في أي وقت تنخرم كما سيأتي قوله في هذه [السورة] : ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] فلا نضيعه فيما لا يعني كألعاب الأوراق، والمجون والع بث، وغير ذلك مما لا يفيد، فهذا فعل السفهاء، وسيعلم صاحبه إذا انتهى إلى ربه أنه فعل السفهاء الذي لايجدي، فعليه أن يكف عنه، ويكون رجلا جديا، ويصدق المعاملة فيما بينه وبين ربه [جل وعلا] ،ولا يترك أوقاته تضيع هدرا؛ لأن هذا تضييع لجواهر عظيمة ،وأعلاق نفيسة، لا  يعرف قدرها إلا من علمه الله ذلك.
المصدر : كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ج٤/ص٣٤٠

رابط للمشاركة:
https://abowareef.blogspot.com/2020/04/blog-post.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقلات لدعوة غير المسلمين للإسلام